مظفر النواب شاعر العرب السياسي

muzafer-alnuwab.jpg

بقلم : خليل الشيخة

أيها الجند:

بوصلة لا تشير إلى القدس . .

مشبوهة

حطموها على أقحاف أصحابها           

 مظفر

من خلال زيارتي إلى سوريا في شهر آب قابلت وبالصدفة الشاعر العراقي مظفر النواب في مدينة خالد بن الوليد(حمص) في إحدى محطات الباصات ، كنت يومها ذاهبا إلى حلب وكان هو متجها إلى دمشق، لم أتأكد من صورته لأني احتفظت بشكله منذ عام السبعينات ولغيابي عن الوطن حوالي 12 سنة.، ولذلك استعنت بصديق كان يرافقني  فأجاب بأن ذلك الشخص هو مظفر النواب. تقدمت منه وسلمت وكان بشوشا متواضعا، ومن ثم سألته عن كيفية إجراء مقابلة صحفية معه فرد علي بأنه يتواجد في الغالب في احد المقاهي في دمشق وأعطاني عنوان المقهى. ذهبت بعد أسبوع إلى المقهى فرد النادل بأن الأستاذ مظفر سافر إلى بيروت. وقفلت راجعا إلى حمص بعد أن تركت له رسالة بأني أتيت لمقابلته. وغادرت بعد أيام سوريا راجعا إلى أمريكا. وهكذا لم يتسنى لي لقاء شاعر عربي  كان عنوانا للثورة والقومية العربية.- حياة الشاعر السياسية :من المعروف عن مظفر النواب أنه شاعر سياسي  هجائي، إلا أنه بالإضافة لذلك فهو رسام وكاتب حيث ألقى الكثير من المحاضرات في التاريخ العربي والفلسفة. لكن يظل هو الشاعر الملاحق أبدا، المتمرد، المحرض، القومي الذي لا يترك حادثة قومية إلا ويؤرخها في صفحات شعره، ولذلك تميز شعر النواب بأنه أحرف منحوتة من علم الشعب الفقير المقهور الذي يبحث عن خلاص.ولد مظفر النواب في بغداد جانب الكرخ عام 1934 من عائلة ارستقراطية ثرية. فقد عاش في عائلة مثقفة تقدر الفن والأدب. فكانت أمه تعزف على البيانو وأبوه يعزف على العود وخاله يعزف على الكمان. أثرت فيه الآلات الوترية في بيته منذ الطفولة فكان ديوانه الأول تحت أسم (وتريات ليلية).أنهى مدرسته الابتدائية والإعدادية وقد ظهرت عليه هوايته في الشعر منذ الصغر. وعندما كان في مرحلته الجامعية مرت عائلته بظروف مالية صعبة فكان يذهب إلى الجامعة مترجلا لعدة أميال ومن ثم انتسب أثناء هذه الفترة إلى الحزب الشيوعي العراقي. عندما تخرج من كلية الآداب وعين مدرسا لكنه ما لبث أن فصل من وظيفته لأسباب سياسية عام 1955 حيث بقي عاطلا عن العمل إلى عام 1958 حين انهار الحكم الملكي واستبدل بالجمهوري. تعين بعد ذلك مفتشا في مديرية التربية. وفي عام 1963 اضطر للهرب من العراق للصراع السياسي مابين الشيوعيين والقوميين. فاتجه إلى إيران عن طريق البصرة عبر بساتين النخل المتراصفة على الحدود الإيرانية – العراقية  وقد كتب عن هذه المغامرة في قصيدته (وتريات ليلة). وعندما حاول عبور الحدود الإيرانية متجها إلى روسيا، ألقي القبض عليه وتم نقله إلى طهران واخضع إلى التعذيب بواسطة جهاز الأمن الإيراني (السافاك) ويشير إلى ذلك في ديوانه الأول (الحركة الثانية). وسلمته السلطات الإيرانية إلى العراق حيث قدم إلى المحكمة  وحكم عليه بالإعدام ، ثم خفض الحكم إلى المؤبد ثم أضيف لها ثلاث سنوات  من أجل قصيدته (براءة).من سجنه خطط للهرب مع المساجين الآخرين، حيث اعتمدوا على السكاكين وحفروا نفقا تحت الأرض. كان النفق طويلا حيث أدى بهم إلى خارج السجن بمسافة قصيرة. وتم ذلك في عام 1967 حيث انتشر الخبر في أرجاء البلاد. ، بعدها اتجه إلى الأغوار في الجنوب وشارك الفلاحين كفاحهم المسلح عام 1968، بعدها صدر عفوا عن السياسيين فرجع إلى سلك التعليم. في تلك الفترة انشق الحزب الشيوعي العراقي إلى مؤيد للسلطة ومعارض لها، فتم اعتقاله مرة أخرى. وتوسط له أحد السياسيين المعروفين في ذلك الوقت مما حث بالسلطة للعفو عنه وإخراجه من السجن. فسافر إلى بيروت وطبع ديوانه هناك. زار دمشق ثم اتجه إلى القاهرة ومنها إلى أريتيريا يعيش مع ثوارها بضعة أشهر، ثم عاد إلى بيروت وأقام فيها ما يقارب السنة ودخل  العراق سرا عبر سوريا عام 74 وأقام فترة وجيزة ثم اتجه إلى بيروت  ومنها إلى أوروبا 1976 وفي ذلك الوقت ترك الحزب الشيوعي وأصبح يميل إلى التفكير المستقل. مكث هناك أربع سنوات ، بعدها سافر إلى ليبيا ومن ثم إلى فرنسا لنيل شهادة الماجستير من خلال دراسته حول القوى الخفية في الإنسان. طبع هناك ديوانه ( المساورة أمام الباب الثاني) وبعد ثلاث سنوات ذهب إلى إيران عام 1982 بعد قيام الثورة الإيرانية، وفي عام 83 زار الجزائر وأقام أمسية ومن ثم ذهب إلى ليبيا وأستقر لفترة. ثم ذهب إلى أمريكا اللاتينية  بعد دعوة له  فزار فنزويلا والبرازيل وتشيلي ومن ثم رجع إلى السودان عام 87 ومنه إلى سوريا. وتجلى كل هذا التنقل في قصيدته (الرحلات القصية) :وآه من العمر بين الفنادق لا تستريحأرحني قليلا … فإني بدهري جريح.- القصيدة السياسية :ليست المطبوعات كثيرة حول شعر مظفر النواب لأسباب سياسية، لكن الكتاب الأخير للناقد باقر ياسين والذي نعتمد عليه في موضوعنا هذا، أتى مفصلا وجيدا.بدأ مظفر شعره بالعامية، متبعا لهجة أهل الجنوب في العراق لفقرهم ولاعتقاده أن هذه المنطقة جابلة بالثورة بشكل دائم. كتب عدة قصائد أهمها (للريل وحمد) وقصيدة (البراءة) والتي يطلب من المساجين السياسيين في السجون العراقية إلا يتخلوا عن عزيمتهم في وجه السلطة. وهي القصيدة التي حكم من أجلها ثلاث سنوات. وبعد أن أدرك أن اللغة العامية لا تفهما إلا فئة صغيرة من الناس وموجهة إليهم فقد بدأت قصائد في الفصحى تظهر للشاعر. فكانت وتريات ليلية التي يتحدث فيها عن هربه إلى إيران من السلطات العراقية وفي الطريق تهب عاصفة مخيفة وتلاحقه المسلحات الإيرانية لكنها تتعثر في إيجاده بسبب العاصفة. وفجأة في الواحات الشاسعة  والليل الأبدي الرهيب  يشم رائحة الخبز المنبعثة من إحدى القرى. فيشعر بالأمن بعد هذا الضياع فيتجه نحو الرائحة وهو متيقن أن أصحاب هذه القرية إيرانيين. لكن عندما يطرق الباب يسمع صوتا ينادي بالعربية، فيطمئن ويشعر بأنه استرجع حياته. لم تكن هذه القرية سوى إحدى قرى الأهواز العربية. فيصور هذا المشهد الرائع :حملتني ريح الغيب إلى دربتترقرق فيه بواكير الصبحوأول عصفور زقزق في الأفق ملتهبا .. أمن ، أمن ، أمنأيقظ خبزي . . فغافلني تعبي والشبق المتأصل في جوعي للإنسان.فدقوا بابا موصدةناداني صوت مازال كخيمة عرس عربيوالصوت كذلك أنثىوالغربة حين احتضنتني أنثىمن ذاكأجبت كنار مطفأة في السهل أنا يا وطنيمن هرب ذاك النهر المتجوسق بالنخل على الأهوازفالنخلة عربيةيا غرباء الناسبلادي كصناديق الشاي مهربة.ويستمر بالقصيدة حتى يصل إلى فلسطين، فهو يتهم جميع الأنظمة العربية بمساندة الاستعمار والصهيونية على اغتصابها، فقد طارت هذه القصيدة إلى أرجاء الوطن العربي فحفظها الصغار والكبار ، وفي هذه القصيدة حاول الشاعر البحث عن مفردة واحدة يصف بها السلطات فلم يجد في معجم اللغة العربية مفردة تعبر عن موقفه :القدس عروس عروبتكمفلماذا أدخلتم كل زناة الليل إلى حجرتهاووقفتم تسترقون السمع وراء الأبواب لصرخات بكارتهاوسحبتم خناجركم وتنافختم شرفافما أشرفكمأولاد القحبة هل تسكت مغتصبةلست خجولا حين أصارحكم بحقيقتكمإن حظيرة خنزير أطهر من أطهركمورسم الشاعر صورا لأبطاله ، فهم الذين يضحون في سبيل مواقفهم وليس الشرط عند النواب أن يكونوا من رجال الحاضر، بل هناك شخصيات تاريخية إسلامية مثل أبي ذر الغفاري وحسين ألأهوازي صاحب حركة القرامطة والقائد جمال عبد الناصر وشخصيات أخرى. ومن القصائد التي كتبت حول الضابط المصري الذي فجر إحدى الطائرات الأمريكية وقتل، يقول الشاعر فيه :ليس بين الرصاص مسافةأنت مصر التي تتحدىأعلن فيك حساب الجماهير ماذا سيسقط من طبقاتتسمي احتلال البلاد ضيافةوكذلك هناك الثائر المصري (الشيخ إمام) الذي طاردته السلطات بسبب مواقفه مع الفقراء حيث يقول :ومهما السجون تضم (إماما) يظل على شفة الكادحين غناءومصر التي في السجنمع الرفضأما مصر التي في البيانات، فمصر البغاءوهكذا فقد وظف الشاعر كل ما فيه من قوة من أجل القضية العربية ومن أجل ثورة يعتقد أنها ستلف الوطن العربي وتغير الأحوال إلى أفضل  حيث يقول :أيها الناس هذي سفينة حزني وقد غرق النصف منها قتالابما غرقت عائمةوشرابي البهي شموخيلا أخاف ، وكيف يخاف الجسور بطلقتهطلقة كاتمةقدمي في الحكومات .. في البدء .. والنصف .. والخاتمة.ومن خلال قراءة مقطع من القصيدة نرى أن الشاعر يملك قوة في سبك العبارات وصياغة المعاني التصويرية القوية وهذا ما جعل للشاعر شعبية بين الناس العاديين .الخاتمة :يتضح من كل مقطع في قصائد مظفر النواب أنه محرض سياسي جبار، فهو يأخذ من واقعنا العربي المأساوي المظلم صورا حية ونرى أيضا أن له مفردات شعبية كثيرة يحاول ادخلاها إلى معجم الشعر، فهو يشتم ويستعمل الكلمات النابية وهو عارف أنه قد ينقد لأجل ذلك ، فقد قال مرة : أغفروا لي حزني وخمري، وكلماتي القاسية فبعضكم سيقول بذيئة ، لا بأس اروني موقفا أكثر بذاءة مما نحن فيه .    

اترك رد

يجب أنت تكون مسجل الدخول لتضيف تعليق.