تقويض البطولة في رواية الشمالي

تقويض البطولة في رواية (سيرة ذاتية للجميع)*

لسامر أنور الشمالي

بقلم : خليل الشيخة

سيرة ذاتية للجميع هي عنوان رواية الكاتب سامر الشمالي . وهي عبارة عن قصة طويلة أو رواية قصيرة (نوفيللا) لا تتجاوز صفحاتها على 120 من القطع الصغير. تقوم الفكرة على تناقل شكل من أشكال المعرفة، أو بالأحرى على فكرة التواصل عبر الأجيال دون تحديد معنى ثابت لهذا التواصل إلا من خلال تناقل السير الذاتية للشخصيات . والسيرة الذاتية المتناقلة تبقى شكلاً رمزياً أو بروازاً تجري سياقاته ضمن  الفكرة المعمول عليها في النص.

الشخصيات الناقلة :

 الشخصيات المتواجدة في الرواية هي أفراد ثانوية لا تتطور في بناء الحدث حسب الشكل الكلاسيكي للرواية بل هي تخدم ضمن سياق النقل لا أكثر. لأن النقل هو المُسير للأحداث . وهنا نقف أمام حبكة مقوّضة اصطلاحا. ونوع هذه الحبكة تكون غير مكترثة بتطور شخصية البطل من بداية ثم أزمة ثم حل ونهاية.  بل تكون على شكل أطر حاوية للمكان أو الزمان كما فعل نجيب محفوظ في روايته ” زقاق المدق” أو روايته  ” ميرمار” حيث استمرت البطولة فيهما للمكان .

تبدأ الرواية بشخصية قحطان بن العوسجي البدوي المترحل في الصحراء  مع قبيلته والذي يبدأ بتدوين سيرته على عُسب النخل. ومن المعروف لدينا أن الثقافة الصحراوية أو البدوية ، هي ثقافة شفوية غير كتابية. وهذا من أهم الأسباب التي اشتهر فيها العرب ما قبل الإسلام في الشعر للتعبير عن نوازع حياتهم الصحراوية. ويرجع ذلك  لسهولة حفظ شعر التفعيلة ومناقلته شفوياً.

نرى هنا مخالفة للثوابت التاريخية المعروفة عن المجتمع البدوي. وربما تتلخص هذه المخالفة في سؤال قحطان الذي يخرجه من عادات قبيلته : لماذا أعيش كسائر أبناء العشيرة؟ (ص-16). ويفترض أن الشخص ينتمي إلى العصر الجاهلي بالمصطلح الإسلامي وخاصة عندما ترد عليه والدته في مسألة الزواج من فتاة القبيلة: ستكون من نصيبك بإذن الرب. (ص-17) .

الشخصية الأخرى هو غدير بن مرجان والذي يشير اسمه كما الاسم السابق على علاقته بالمكان. هنا يكون  البحر، حيث يجد البحّار ما كتبه البدوي ثم يضيف إليها سيرته الذاتية. وغدير قد يكون رافداً للنهر ويصب في النهاية في بوتقة البحر.

الثقافة التي تلي الصحراء والتنقل هي ثقافة النهر. والنهر هو ما يجعل الإنسان ثابت الصلة بالأرض، خلافاًً للبدوي الذي تكون صلته بالقبيلة والماشية. ثقافة النهر هي أول ثقافة بشرية حقيقية. هي التي ابتكرت أول أحرف الهجاء والتي أصبح من خلالها إمكانية تناقل المعلومة والمعرفة. وتأسس أيضاً من خلالها المجتمعات البشرية بكل تفرعاتها وتعقيداتها السياسية والاجتماعية  والفكرية. إذا، ثقافة الأرض والمُزارع هي الثقافة الأم لكل ما أنتجته البشرية في عصرنا الحاضر.

الشخصية الثالثة هي شخصية (محمد عبد الرحمن) وهو ابن المدينة الذي يجد سيرة ذاتية لما قبله ثم يتممها بطريقته. وتأتي الصحفية مريم قنديل. تلك المرأة التي تصبح في عصرنا الراهن جزءاً من مجتمع متعدد الأهواء والنزعات. وتأخذ دورها الطبيعي في إضافة سيرتها على السير السابقة. ثم هناك سامي كريم المذيع الذي ينقل السير ويضيف إليها عبر موقع على الانترنت. ومن خلال الموقع يبدأ الأفراد إضافة سيرهم الذاتية على الموقع المُصَمّم . وينتقل الكاتب إلى فصل بعنوان (أكثر من اسم ) حيث يدلو كل بدلوه ليكمل السيرة الذاتية الذي بدأها البدوي.

بطولة مُقَوّضَة :

فكرة تقويض البطولة تنطلق من عدم إتباع الطريقة التقليدية للبطولة، حيث تبدأ هذه الطريقة الكلاسيكية ببطل تنمو شخصيته ضمن الزمان والمكان المحدد و تتواشج مع الرواية لتنمية شخصيته مع أحداثها  وسردها. أما هنا ، فأنت أمام  حدث واحد مستقل عن الشخصية ينمو بدونها ويصل إلى النهاية بذاته.  ويتطور ليس مع تطور الشخصيات ، بل مع عامل الزمن الكفيل بوصول المادة المعروضة . نحن هنا أمام شكل آخر لتطور أحداث الرواية وتعامل مع حبكة من نوع جديد.                                   

وكما يأخذ أحياناً المكان حيزاً في السرد وفي البطولة تأخذ هنا الرواية مادة (السيرة الذاتية) كفعل تواصلي بين مختلف الأزمان والشخصيات. ويعبر عن كل فصل فيها عن طريقة سرد ذاتي ، أي استعمال ضمير الأنا في تقديم الحدث. وهذه ميزة امتاز بها كما أسلفنا نجيب محفوظ في رواية “ميرمار”. 

خاتمة:

يحاول الكاتب أن يرسي تجربته المميزة في الرواية العربية، خاصة في تقنيات السرد وتغيير مضمون الحبكة التقليدية التي ألفتها الرواية العربية  منذ زمن.  وقد نلاحظ أن في هذه التجربة ما يميزها حتى بطريقة السرد في كل فصل من فصولها. فقد لجأ الكاتب في بدايتها إلى اللغة العربية التقليدية القديمة، ثم تغيرت في الفصول اللاحقة إلى لغة سهلة سلسة معاصرة.

 في الختام نرى أن الرواية قد طرقت باباً لم يطرقه أحد من قبل في طريقة البطولة المؤطرة في تناقل النص. وهذه الخاصة هي التي ميزتها عن الروايات الأخرى. 

————————————–

* . سيرة ذاتية للجميع- رواية – سامر أنور الشمالي –ط-1 2006 ، حمص

نشرت في كانون ثاني -12-2009-صحيفة العروبة-حمص

Follow

Get every new post delivered to your Inbox.